أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
7
نثر الدر في المحاضرات
قال الجاحظ « 1 » : ومن خطباء إياد ، قسّ بن ساعدة « 2 » الذي قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول : أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت . وهو القائل في هذه : الآيات محكمات ، مطر ونبات ، وآباء وأمهات ، وذاهب وآت ، ونجوم تمور وبحار لا تغور ، وهو القائل : يا معشر إياد : أين ثمود وعاد ؟ أين الآباء والأجداد ؟ وأين المعروف الذي لم يشكر ؟ وأين الظلم الذي لم ينكر ؟ أقسم قس قسما إن للّه لدينا هو أرضى له وأفضل من دينكم هذا . سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال : إنه لمانع لحوزته ، مطاع في أدنيه قال الزبرقان حسدني يا رسول اللّه ولم يقل الحق . قال عمرو : وهو واللّه زمر « 3 » المروءة ، ضيّق العطن ، لئيم الخال . فنظر النبي صلى اللّه عليه وسلم في عينيه فقال : يا رسول اللّه رضيت . فقلت : أحسن ما علمت ، وغضبت . فقلت : أسوأ ما علمت وما كذبت في الأولى وصدقت في الأخرى فقال صلى اللّه عليه وسلم : إن من البيان لسحرا . وكان عامر بن الظّرب العدواني حكما وكان خطيبا رئيسا وهو الذي قال : يا معشر عدوان ، الخير ألوف عروف ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه ، وإني لم أكن حكيما حتى اتبعت الحكماء ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم . قال بعضهم ، قلت لأبي الحصين : ما أعجب ما رأيت من الخصب ؟ قال : كنت أشرب رثيئة « 4 » تجرّها الشفتان جرّا ، وقارصا إذا تجشّأت جدع أنفي ، ورأيت الكمأة تدوسها الإبل بمناسمها ، وخلاصة يشمّها الكلب فيعطس .
--> ( 1 ) هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ، المتوفى سنة 255 ه ، تقدمت ترجمته . ( 2 ) هو قس بن ساعدة الإيادي ، من كبار الخطباء العرب وحكمائهم في الجاهلية ، كان أسقف نجران ، قيل : إنه أول عربي خطب وهو يتوكأ على سيف أو على عصا ، وأوّل من استعمل في كلامه « أما بعد » ، عمّر طويلا ، أدرك النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل النبوة ، ورآه النبي صلى اللّه عليه وسلم في عكاظ ( معجم الشعراء الجاهليين ص 293 ) . ( 3 ) الزّمر ككتف : القليل المروءة . ( 4 ) رثأ اللبن ، كمنع : حلبه على حامض فخثر ، وهو الرثيئة .